محمد بن جرير الطبري
44
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
إلى الافشين يعلمه ذلك ، فأرسل الافشين رجلا يعرف بابك ، فنظر اليه ، ثم عاد إلى الافشين ، فقال : نعم هو بابك ، فركب اليه الافشين ، فدنا منه حتى صار في موضع يسمع كلامه وكلام أصحابه ، والحرب مشتبكه في ناحية آذين ، فقال له : أريد الأمان من أمير المؤمنين ، فقال له الافشين : قد عرضت عليك هذا ، وهو لك مبذول متى شئت ، فقال : قد شئت الان ، على أن تؤجلنى أجلا احمل فيه عيالي ، وأتجهز فقال له الافشين : قد والله نصحتك غير مره فلم تقبل نصيحتي ، وانا أنصحك الساعة ، خروجك اليوم في الأمان خير من غد قال : قد قبلت أيها الأمير ، وانا على ذلك ، فقال له الافشين : فابعث بالرهائن الذين كنت سألتك قال : نعم ، اما فلان وفلان فهم على ذلك التل ، فمر أصحابك بالتوقف . قال : فجاء رسول الافشين ليرد الناس ، فقيل له : ان اعلام الفراغنه قد دخلت البذ وصعدوا بها القصور فركب وصاح بالناس ، فدخل ودخلوا ، وصعد الناس بالاعلام فوق قصور بابك ، وكان قد كمن في قصوره - وهي أربعة - ستمائه رجل ، فوافاهم الناس ، فصعدوا بالاعلام فوق القصور ، وامتلأت شوارع البذ وميدانها من الناس ، وفتح أولئك الكمناء أبواب القصور ، وخرجوا رجاله يقاتلون الناس ومر بابك حتى دخل الوادي الذي يلي هشتاد سر ، واشتغل الافشين وجميع قواده بالحرب على أبواب القصور ، فقاتل الخرمية قتالا شديدا ، واحضر النفاطين ، فجعلوا يصبون عليهم النفط والنار ، والناس يهدمون القصور ، حتى قتلوا عن آخرهم وأخذ الافشين أولاد بابك ومن كان معهم في البذ من عيالاتهم ، حتى أدركهم المساء ، فامر الافشين بالانصراف فانصرفوا ، وكان عامه الخرمية في البيوت ، فرجع الافشين إلى الخندق بروذ الروذ . فذكر ان بابك وأصحابه الذين نزلوا معه الوادي حين علموا ان الافشين قد رجع إلى خندقه ، رجعوا إلى البذ ، فحملوا من الزاد ما أمكنهم حمله ، وحملوا أموالهم ، ثم دخلوا الوادي الذي يلي هشتاد سر فلما كان في الغد خرج